الشيخ محمد هادي معرفة
18
تلخيص التمهيد
هذا الوليد بن المغيرة المخزومي - كبير قريش ورائدهم وقائدهم - استأمروه بشأن هذا الكلام الذي جاء به نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله ، فلم يستطع سوى الاعتراف بأنّه فوق مقدور البشر : فو اللَّه ما هو بشعر ولا بسحر ولا بهذي جنون ، وإنّ قوله من كلام اللَّه . . . « 1 » . وهو القائل : « وواللَّه إنّ لقوله الذي يقول لحلاوة ، وإنّ عليه لطلاوة ، وإنّه لمثمر أعلاه ، مغدق أسفله ، وإنّه ليعلو وما يُعلى « 2 » . وهذا إنذار من رأس الكفر بأنّ الغلب سوف يكون مع القرآن . وقد حاولوا الممانعة دون صيته والحؤول دون شياعه ، وقالوا : « لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ » « 3 » . وكانوا يستغشون ثيابهم ويضعون أصابعهم في آذانهم خشية سماعه ، أو يحشون مسامع الوفود بالخرق والكراسف لئلّا يستمعوا إلى حديثه ، لماذا ؟ إنّهم أدركوا هيمنته ولمسوا من واقعه الناصع ، فهابوه وخافوا سطوته ، فقد أعجزتهم مقابلته بالكلام وألجأتهم أخيراً إلى ركوب الصعب من مطايا الحتوف بمقارعة الأسنّة والسيوف . لكن « وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ » « 4 » . والآية الأغرب ، والمعجزة الأعجب ، ذلك حكمه الباتّ على أنّهم لن يأتوا بمثله « وَلَنْ تَفْعَلُوا » أبداً . إنّه إعجاز في صراحة وجرأة يفوق سائر الإعجاز ، وإخبار عن غيب محتّم ، لا يصدر إلّاعن علّام الغيوب ، ولا يجرأ على النطق به أحد من البشر مهما أوتي من علم وقدرة وهيمنة . بل وحكمه العامّ الشامل لكافّة طبقات الأُمم عبر الخلود ، لا يستطيعون جميعاً أن يأتوا
--> سمعوا قول اللَّه عزّ وجلّ : « وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ » هود : 44 ، يئسوا ممّا طمعوا فيه ، وعلموا أنّه ليس بكلام مخلوق . ( وراجع مجمع البيان : ج 5 ص 145 ) . ( 1 ) . تفسير الطبري : ج 29 ص 98 . ( 2 ) . مستدرك الحاكم : ج 2 ص 50 . ( 3 ) . فصّلت : 26 . ( 4 ) . يونس : 82 .